الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
39
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
المشترك قصور في الدّلالة على المعنى وإنما طرأ قصور في الدّلالة على خصوص المراد من جهة تعدد الأوضاع ولذا جعلوه مخالفا للأصل نظرا إلى منافاته للحكمة المذكورة في الجملة وبالجملة أصالة حمل اللّفظ على المعنى الحقيقي والحكم بكونه مرادا للمتكلم عند الدوران بينه وبين المعنى المجازي مما لا كلام فيه في الجملة وعليه مبنى للمخاطبة وهو المدار في فهم الكلام من لدن زمان آدم إلى الآن في كافة اللّغات وجميع الاصطلاحات نعم قد يتأمل في أن القاعدة المذكورة هل هي من القواعد الوضعية المقررة من الواضع بتعيينه ووضعه سوى وضعه المتعلق بالألفاظ فيكون مستفادا من ملاحظة السّيرة والطريقة المستمرة حسب غيره من الأوضاع العامة والقواعد الكلية المتعلقات منه أو أنه لا حاجة فيها إلى وضع سوى وضع الألفاظ لمعانيها إذ بعد دلالة الألفاظ على المعاني يكون المتصدي لاستعمالها في مقام البيان مع شعور التكلف وعدم شعور غفلته وذهوله شاهدا على إرادة معناه ومدلوله فيكون كدلالة الإشارات على مقصود المشير فيكون الأصل المذكور متفرعا على الوضع من غير أن يكون متعلقا لوضع الواضع وإن كان الغاية الملحوظة في الألفاظ هو فهم المراد إذ لا يلزم من ذلك أن يكون ترتبها عليه بلا واسطة وقد يقال إن يكون الألفاظ موضوعة للدّلالة على معانيها من حيث كونها مرادة للمتكلم مقصودة فالوضع هو تعين اللفظ أو تعيينه ليدلّ على كون المعنى مرادا للمتكلّم لا لمجرد الدلالة على المعنى وإحضاره بالبال كما هو الظاهر وكان ذلك مراد القائل بكون الدلالة تابعة للإرادة لانتقال الدلالة المذكورة في المجاز بعد قيام القرينة الصّارفة لا ما يتراءى من ظاهره لوضوح فساده على هذا الوجه أيضا تكون دلالة الألفاظ على كون معانيها مقصودة للمتكلم وضعية فيكون الأصل المذكور مستندا إلى الوضع أيضا إلاّ أنه الوجه المذكور بعيد عن ظاهر الأوضاع فإن الظاهر كون الحاصل من نفس الوضع مجرد الإحضار ودلالة اللّفظ على كون ذلك مرادا للمتكلم حاصلة بعد ذلك بأمر آخر فتعين حينئذ أحد الوجهين الأخيرين وكيف كان فنقول إن إجراء الأصل المذكور إما أن يكون من المخاطب أو غيره وعلى التقديرين فإمّا أن يعلم انتفاء القرينة المتصلة والمنفصلة أو لا فمع العلم بالخلو عن القرينة المانعة لا تأمّل في إجراء الأصل من المخاطب وكذا من غيره وأما مع انتفاء العلم بها وعدم اطلاعه على قيامها فهو أيضا حجّة بالنّسبة إلى المخاطب بجريان الطريقة عليه من غير توقف على الاستفسار ولو مع إمكانه حسبما بيناه وورود السؤال حينئذ عن حقيقة الحال في بعض الموارد من جهة الاحتياط والأخذ بالجزم لا لعدم جواز الأخذ بالظاهر وأمّا بالنسبة إلى غير المخاطب سيّما مع عدم الحضور في مجلس الخطاب فقد يتأمل في جريان الأصل المذكور خصوصا مع طول المدّة وتعارض الأدلّة وظهور القرائن المنفصلة الباعثة على الخروج عن الظاهر بالنسبة إلى كثير من الخطابات الواردة أو الأخذ بالأصل المذكورة في ذلك غير ظاهر من الدليل المتقدم لعدم ابتناء المخاطبات العرفية على مثل ذلك ليمكن الاستناد فيه إلى الوجه المذكور نعم الدليل على الأخذ بالظنون المتعلقة بالأحكام الشرعية منحصر عندنا فيما دل على حجّية مطلق الظن بعد انسداد باب العلم فيتفرع ذلك على الأصل المذكور دون ما ذكر من قيام السّيرة القاطعة والإجماع المعلوم على حجّية الظاهر فإن القدر الثابت من ذلك هو القسم الأوّل خاصة كما يستفاد مما ذكروه بعض أفاضل العصر قلت من الواضح المبين أن علماء الأعصار في جميع الأمصار مع الاختلاف البين في آرائهم وطريقتهم والتفاوت الواضح في كيفية استنباطهم وسلائقهم اتفقوا على الرجوع إلى الظواهر المأثورة والاستناد إلى ما يستفاد منها والأخذ بما تدلّ عليها وإن اختلفوا في تعيين الحجة منها بحسب الإسناد وما يصلح من تلك الجهة للاعتماد نعم ربما يقع خلاف ضعيف لبعض متأخري الأخباريين في الظواهر القرآنية لأمور اتضح فسادها في محلّه وقد اعترف بذلك الفاضل المذكور بالنسبة إلى الكتاب نظرا إلى أن الظاهر أن اللّه تعالى يريد من جميع الأمة فهمه والتدبّر فيه والعمل به وقال إن ذلك طريقة أهل العرف في تأليف الكتب وإرسال المكاتب والرّسائل إلى البلاد النّائية ومن البيّن أن هذا الوجه بعينه جار في سائر الروايات والأخبار الواردة بعد فرض حجيتها ووجوب العمل بمضمونها إذ هو الطريق في استنباط المطالب من الألفاظ وبالجملة أن جواز العمل بالظواهر اللّفظية مما قام عليه إجماع الفرقة من قدمائها ومتأخريها ومجتهديها وأخباريها بل الظاهر إجماع الأمة عليها على مذاهبها المتشعبة وآرائها المتفرقة وقد حكى الإجماع عليه جماعة من الأجلة حتى أنه قد صار عندهم من المشهورات المسلمة حجّة الظنّ في الموضوعات يعنون بها الموضوعات اللّفظية إذ سائر الموضوعات يعتبر فيها القطع أو الأخذ بالطريق الخاصّة المقرّرة في الشريعة مما ادّعاه الفاضل المذكور من الفرق بين الصّورتين وقصره مورد الاجتماع على الأول من الوجهين المذكورين بين الفساد نعم غاية الأمر المناقشة في إجراء الوجه المتقدم في الأخير إذ قد يتأمل في جريان طريقة أهل اللّسان عليه إذ القدر الثابت عن طريقتهم جريان تلك بالنسبة إلى المخاطبين دون غيرهما إذ المدار في التفهيم والتفهم على فهمهما وأما ما ذكرناه من الإجماع وهو جار في المقام قطعا فليس حجيّة الظن المذكور محل كلام أصلا بل هو من الظنون الخاصة التي دلّ على حجيّتها إجماع الأمة على أنه لا يبعد القول بجريان طريقة الناس في العادات على ذلك أيضا كما يظهر من ملاحظة تغايرهم للأشعار والعبارات المنقولة عن السّلف وكذا الحال في المكاتيب المرسومة والقضايا [ والوصايا ] المكتوبة في الدفاتر ونحوها وإن كان المخاطب بها خصوص بعض الأشخاص فإنهم لا زالوا يفسّرونها على مقتضى قانون اللغة والقواعد العربية ويحكمون بإرادة ما يظهر منها بمقتضى الأصول المقرّرة وبالجملة لا تجد منهم فرقا بين المخاطبين وغيرهم في حمل العبائر على ظواهرها وأجزاء أحكامها عليها بل نجدهم مطبقين على الحكم بها من غير فرق بين المقامين وقد أشار غير واحد منهم إليه ونبه على جريان الطريقة عليه بقي الكلام في أن أصل المذكور هل يناط بوضع اللفظ فلا يخرج عن مقتضاه إلا بعد قيام الدّليل على